11/17/2008

article about my second book in ANNAHAR

"كانت الحياة رخوة" لعلي زراقط"كانت الحياة رخوة" لعلي زراقط
بعد مجموعته الشعرية الاولى "كتاب فارغ" (دار منشورات إكس أو- 2006)، صدرت لعلي زراقط مجموعة شعرية ثانية عنوانها "كانت الحياة رخوة" عن "دار النهضة العربية"، تضم قصائد تتكاثر فيها عناصر الوطن، الحرب، الشارع، المدينة، الحب، الجنس والذكريات والطفولة، في طبيعة تشكل المرأة ارضها بالكامل، بل وتحتكرها. شعر يتوجه اذاً الى المرأة، مترنحاً بين كونه خاطرة شعرية لحظوية يصطادها زراقط ويعمد الى تكثيفها وتخصيبها شعراً، وبين الامتداد الوجودي لهذا الكائن الأنثوي، بكل احتمالاته التي تؤلف ما تخدمه الخاطرة الشعرية برمتها: "صعدت سلماً قصيراً كمشط/ كي أرى شعرك – تستيقظين – مشعثاً"، "ولك أن تختبئي اينما شئت/ ما دمنا نقتسم قلباً". يأتي البناء الشعري في غالب قصائد المجموعة ميالا الى فضح هندسة شعرية مقصودة، فهنالك مضمون القصيدة، ومن ثم هيكلها، وما بين الهيكل والمضمون، يقف هذا المحور متيناً، فيلتصق بهما بصلابة، وبشيء من خفة اريد منها ان تريح القارئ، وهذا المحو هو إما ظاهر وإما مضمر، يأخذ مسلكاً تصاعدياً غالب الأحيان، ويتربص بالقارئ في نهاية الامر (قصيدة "اشياء اسمها الحياة")، وإما هو محور معلن، واضح وضوح السمكة النشيطة في الأكواريوم (قصيدة "الشمس فقط"). لكن العالم الذي تدور حوله تفاصيل القصيدة هو عالم هش احيانا، ينزلق الى الافقية، مفرغاً نفسه من دلالة الشعر مستعيضاً عن ذلك الافراغ بالامتلاء بشؤون العادي، في محاولة من الشاعر لرفع الحياة برمتها، وبكل تفاصيل عادياتها الى ما هو شعري، ومن ثم في مرحلة لاحقة، الى ما هو شعر. يعمد زراقط الى نفخ النص بالمشهد اليومي العام، مختزلا السياق الطبيعي لمسار الزمن، وصهر كمية الزمن في الجسد، كأنما الجسد مسرح للزمن وتفاعلاته من حيث يأتي مرتهناً للبيولوجي. هو زمن ركيك، الا ان زراقط يعرف كيف السبيل الى سبر اغواره وتكثيفه من خلال قراءاته الحادة للتفاصيل اليومية، وما صُنع منها على جسمه مثلا: "نبت لي بثار كثير/ وعرج في الرجل اليمنى/ وصمغ على بنطالي الجديد/ وتمنيت لو أن هذا الصمغ نبت بين قلبي وقلبك". لكنه في المقابل شاعر لا ينصاع للزمن، او لمساره الأحادي، فيعود به الى وراء كيفما شاء، واضعاً الجزء المتبقي من زمنه ككائن، في لعبة الطفولي، فهو زمن مستقبلي، لكنه لا يعيشه الا كزمن مضى: "قبّليني بفمك الوردي عشر سنين الى الوراء/ وألعب مع الاطفال/ في الحقل/ كرة القدم". هذه التلقائية في ثقب جدار المستقبل واعادة تشكيله، تقوم المرأة باستيلادها، فهي الحاضر الاوحد، الذي يبتلع التفاصيل المعيشة والطفولة والبلاد ايضا، في مربّع يؤلف الشاعر اضلاعه مما هو ميتافيزيقي، وما هو مشروط فيه صخب المدينة، وضجتها الأليفة للكثيرين، وما هو مخبّأ في الذاكرة من صور، واستباق تفاصيل سوف تأتي، ومزجها بالمخزون الواعي او اللاواعي للجزء الطفل من الشاعر: "شباكك معلقة كعتمة/ اراك ملأى كحبة فستق/ او زمردة خضراء كضوء المرور". زراقط يتفرد في بعض اجزاء الكتاب بلغة شعرية يمكن اعتبارها الى حد ما، خاصة، وهي كينونته الشعرية بحق. فهو يمتلك أدوات اللغوي والثقافي، اضافة الى احساس الشاعر ورهافته في تطويع المفردات لخدمة المرأة تارة، والطفولة او الحرب او الوطن طورا (اقتراح رقم 6 من قصيدة "عن كل الموت والذكريات"، وهو من الشعراء الشباب القلائل يمكن اعتبارهم جادين في كتابة الشعر، وفي الاحتفاظ بهالة منه هي حصتهم الشرعية الشعرية. علي زراقط واحد من القلائل قد يفلحون في جذب قرائهم والانتقال بهم من نص الى آخر، بشيء من اللذة والدهشة احيانا. غير ان هذا لا ينطبق على كل قصائد المجموعة، فهنالك فخاخ يقع فيها زراقط ولا يستطيع التفلت منها، امام القارئ. ففي بعض النصوص، نتلمس نية زراقط الجادة لأن يتوغل في الشعر كتابة، حتى لينسى أنه يكتب شعرا، فلا يبقى على الورقة سوى اللغة، ثقيلة، تزيح الصورة الشعرية جانبا، لتقطع الامتداد الواجب رعايته ما بين القارئ والنص، فلا يبقى سوى رذاذات شعرية، تضعنا كقراء، امام شعور بالأسف لتفاوت مستوى النصوص كافة وبعض هذه النصوص ذات المستوى الأدنى والعلني. فهل قصد زراقط شيئاً من هذا كله؟ وهل هو موقف شعري ام هو شعر يشترط وقوفنا عنده فترة طويلة لتأمله وتحديد ما قد يصلنا عبره بسلام؟ وبذلك، نراه شاعراً يقع فريسة اللغة بدل أن يوقع الشعر في فخه كشاعر. فاللغة التي تهيمن على النص كورقة توت يابسة تخفي تحتها أجمل فراشات الغابة، تشيح عنا الفراشة، بل وتشعر بشيء من الحيادية تجاه ورقة التوت نفسها. الا ان حياديتنا في القراءة لنص زراقط، تحيلنا في المقابل على فضول في بلوغ ما يريد منا زراقط أن نبلغه، وهذا ينطبق على كل نصوص المجموعة وليس على بعضها فقط. فما يقدمه الينا من قوارب، لا تستطيع حملنا بسهولة الى عالمه البعيد، الداخلي، والمتطرف الخصوصية، وإن يكن ذلك تطرفا لذيذا. ثمة انانية شعرية، في "كانت الحياة رخوة"، وهي انانية لا تشبه بتاتاً رخاوة حياة زراقط شاعرا. وللوهلة الاولى، يسود اعتقاد بأن زراقط لا يريد تقاسم أنانيته مع القارئ، على غرار الشعراء الرمزيين، الذين تفردوا وحدهم بإمكان فك "كود" قصائدهم، الا اننا وبالمقارنة مع مجموعة زراقط الاولى، نستطيع، وبكل امانة، القول بأن الشاعر قطع شوطا لا بأس به، لصقل نفسه بجمالية وحرفية أكثر لالتقاط اشارات العالم المحيط به، وضخها في جسد شعري سواء تآلفنا معه ام لم نفعل. انه دليل واضح على نية زراقط طرح ذاته كشاعر او ككاتب متفرغ على غرار بعض ارباب الشعر والادب على وجه الخصوص. تؤلف الحرب، كحدث عابر، لكنه ثقيل المشية، عجينة زراقط الشعرية، في عدد لا بأس به من النصوص، فيأتي البناء الشعري متقاطعاً مع الحرب على الدوام، لكنه تقاطع ينفذ الى داخل الشاعر، عمقا، وليس الى كينونة الحرب اذا ما اعتبرناها مخلوقاً يحتاج الى مسوغات واشتراطات تبقيه على قيد الحياة. هذا التداخل بين الحرب كتفصيل، او كشرارة تؤلف المسار الشعري للقصائد، بل وتؤدي الى وظيفة النار التي يتحلق حولها زمرة من اطفال الكشافة في الليل، وما بين جغرافيا التفاصيل الهائلة في حياة الشاعر ويومياته، هذا التداخل يؤلف التماسك اللغوي في القصائد، ويسمح لزراقط بالتحرك في مساحة بلا احتمالات محددة. تخرج الحرب عن ايديولوجيا سببية الحرب، ونتائجها على البشر، وعواقبها، اذ يقوم زراقط بأخذها هي وكل عدتها الى خانة الانسان الزراقطي وابعاده، والمرتبطة بمكتسبه خلال طفولة او نشأة. الحرب تفرمها ماكينته الشعرية الى نثارات مايكروسكوبية صغيرة، وتمزج مع البسيكولوجي، لكنه ليس البسيكولوجي الذي هو كنتيجة لحرب كهذه، بل كجزء من حياة الكائن نفسه. وبذلك يتخطى الشاعر الحرب من غير عمد، فلا تغدو حدثاً أول، بل تفصيلاً في بَكَرة الزمن الخاصة به، بكرة تعمل على خربطتها عبر عودة مفاجئة الى الوراء، طفلا، او الى الامام البعيد، رجلا يبلغ نضجه مصاف تقربه من روحية بعض نصوص الرواد كدرويش مثلا عبر دواره الشهير في قصيدة "لماذا تركت الحصان وحيدا" مع ابنه، الا ان درويش يعود بزمنه الى القديم القديم، فيما لعلي زراقط مقاربة للحاضر القريب، واسقاط الحرب من النص، مع ابقاء ومضاتها طافية في المناخ النفسي للشاعر والذكريات (المقطع 8 من "كانت الحياة رخوة"). هو نص طفولة لاستعادة ما هو مفترض انه فقدان لأشياء الزمن الحاضر، ولامرأة ما، تعبث في ذاته وذواتنا جميعا، وتتحرك لتحركنا معها بيأس الاجابة عن السؤال الوقح الذي يؤلف وحدوية المعيش في تفاصيل متشابكة كثيرة تشغل بالنا وبال الشاعر، وكأنها ارض يخفي اخضرارها تربة مليئة بالعفن، وذلك ما يشعرنا برغبة في قراءة نص زراقط لأكثر من مرة، عله يفصح لنا عن بعض اسئلته، ويتيح لنا تقاسمها على مائدة الشعر ومائدة الحياة ¶
مازن معروف

No comments: